ابن كثير
342
البداية والنهاية
وفي يوم الأحد ثالثه قدم قاضيا الحنفية والحنابلة بحلب والخطيب بها والشيخ شهاب الدين الأذرعي ، والشيخ زين الدين الباريني ( 1 ) وآخرون معهم ، فنزلوا بالمدرسة الاقبالية وهم وقاضي قضاتهم الشافعي ، وهو كمال الدين المصري مطلوبون إلى الديار المصرية ، فتحرر ما ذكروه عن قاضيهم وما نقموه عليه من السيرة فيما يذكرون في المواقف الشريفة بمصر ، وتوجهوا إلى الديار المصرية يوم السبت عاشره . وفي يوم الخميس قدم الأمير زين الدين زبالة نائب القلعة من الديار المصرية على البريد في تجمل عظيم هائل ، وتلقاه الناس بالشموع في أثناء الطريق ، ونزل بدار الذهب ، وراح الناس للسلام عليه وتهنئته بالعود إلى نيابة القلعة ، على عادته ، وهذه ثالث مرة وليها لأنه مشكور السيرة فيها ، وله فيها سعي محمود في أوقات متعددة . وفي يوم الخميس الحادي والعشرين صلى نائب السلطنة والقاضيان الشافعي والحنفي وكاتب السر وجماعة من الأمراء والأعيان بالمقصورة وقرئ كتاب السلطان على السدة بوضع مكس الغنم إلى كل رأس بدرهمين ، فتضاعفت الأدعية لولي الأمر ، ولمن كان السبب في ذلك . غريبة من الغرائب وعجيبة من العجائب وقد كثرت المياه في هذا الشهر وزادت الأنهار زيادة كثيرة جدا ، بحيث إنه فاض الماء في سوق الخيل من نهر بردى حتى عم جميع العرصة المعروفة بموقف الموكب ، بحيث إنه أجريت فيه المراكب بالكلك ، وركبت فيه المارة من جانب إلى جانب ، واستمر ذلك جمعا متعددة ، وامتنع نائب السلطنة والجيش من الوقوف هناك ، وربما وقف نائب السلطنة بعض الأيام تحت الطارمة تجاه باب الإسطبل السلطاني ، وهذا أمر لم يعهد مثله ولا رأيته قط في مدة عمري ، وقد سقطت بسبب ذلك بنايات ودور كثيرة ، وتعطلت طواحين كثيرة غمرها الماء . وفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى توفي الصدر شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ عز الدين بن منجى التنوخي بعد العشاء الآخرة ، وصلي عليه بجامع دمشق بعد صلاة الظهر ، ودفن بالسفح . وفي صبيحة هذا اليوم توفي الشيخ ناصر الدين محمد بن أحمد القونوي الحنفي ، خطيب جامع يلبغا ، وصلي عليه عقيب صلاة الظهر أيضا ، ودفن بالصوفية ، وقد باشر عوضه الخطابة والإمامة قاضي القضاة كمال الدين الكفري الحنفي . وفي عصر هذا اليوم توفي القاضي علاء الدين بن القاضي شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن الشهاب محمود الحلبي ، أحد
--> ( 1 ) الباريني نسبة إلى بارين قرية من قرى حماة ، وهي بين حماة وحلب . وهو زين الدين أبو حفص عمر بن عيسى بن عمر الشافعي ، كان مولده سنة 701 ه ومات في هذه السنة 764 ه في شوال منها ودفن بحلب خارج باب المقام ( شذرات الذهب 6 / 202 ) .